عبد الغني جبار
رئيس إئتلاف إعلاميي وادنون.
تستمر الماكينات الحزبية المغربية في تسويق خطاب "تمكين الشباب" و"تجديد النخب"، مستغلةً اقتراب الاستحقاقات الانتخابية لعام 2026 لضخ جرعات إضافية من الوعود الوردية. لكن خلف هذا الستار الدعائي البراق، يصطدم المتتبع لواقع المشهد السياسي ببنية حزبية "متحجرة" تعيد إنتاج نخبها التقليدية، وتحول الشباب إلى مجرد أرقام لتأثيث اللوائح وصكوك غفران لجلب الدعم المالي العمومي.القوانين في واد والممارسة في مستنقع "الريع"من الناحية التشريعية، يبدو المشهد مثالياً؛ قوانين تفرض نسبة الخمس من الشباب لتأسيس الأحزاب، ومحفزات مالية تضخها الدولة في خزائن الهيئات السياسية التي ترشح فئات شابة، فضلاً عن تسهيلات إدارية ظاهرها الرحمة وباطنها العجز.لكن هذا "الكرم التشريعي" يتحول على عتبات المقرات الحزبية إلى ريع سياسي بامتياز. فالقيادات التاريخية، التي ترفض النزول عن كراسيها، تتعامل مع هذه المقتضيات بمنطق "الامتثال القسري" لتفادي العقوبات القانونية والمالية، وليس إيماناً بالتغيير. النتيجة
لوائح ترشيح تُملأ في اللحظات الأخيرة بشباب معزولين عن مراكز القرار الفعلي، ويُدفع بهم في دوائر انتخابية محروقة كـ "حطب معارك" للنخب التقليدية."العائلية الحزبية" والزبونية.. فلم يعد سراً أن الولوج إلى المكاتب السياسية أو الحصول على تزكية انتخابية مريحة داخل معظم الأحزاب المغربية لا يخضع لمعايير الكفاءة، أو النضال القاعدي، أو الشواهد العليا. بل أصبحت "العائلية الحزبية" والمحسوبية والولاء الأعمى للزعيم هي جواز المرور الوحيد.
هذا الوضع الكارثي حوّل التنظيمات الموازية للشباب (شبيبات الأحزاب) من مشاتل لإنتاج القادة إلى "مصفقين" في المؤتمرات، أو "كتائب إلكترونية" لخوض حروب بالوكالة لصالح الحرس القديم. إنها مقصلة حقيقية تُذبح عليها كفاءات شابة مستقلة رفضت الانصياع لمنطق "الزبونية السياسية" السائد.
هذا الخنق الممنهج لأمل التغيير أدى إلى طلاق بائن بين الشباب والسياسة بـ "صيغتها الحزبية". فالأرقام الصادمة للمندوبية السامية للتخطيط ومؤشرات الباروميتر العربي لا تكذب؛ إذ لا تتعدى نسبة انخراط الشباب في الأحزاب حاجز 2%، في حين يعلن نحو 70% منهم عن "موت الثقة" في دكاكين سياسية لا تفتح أبوابها إلا مع اقتراب المواسم الانتخابية.هذا العزوف ليس "سلبية" من الشباب، بل هو موقف سياسي واعٍ وعقاب جماعي لمنظومة خذلتهم. ونتيجة لذلك، هاجر الشباب الفعل الحزبي نحو فضاءات أكثر مصداقية؛ حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى برلمانات حقيقية لمحاكمة السياسات الفاشلة، وتدفقت الطاقات نحو العمل الجمعوي المستقل والمبادرات المدنية، متجاوزةً الهياكل الحزبية التي باتت تعيش عزلة خانقة داخل مقراتها المهجورة.
إن محطة 2026 لن تكون سوى مرآة تكشف عورة هذا الخداع السياسي. فما لم تتخلص الأحزاب المغربية من عقليتها "الإقصائية" وتكف عن التعامل مع الشباب كـ "ديكور انتخابي"، فإنها تحكم على نفسها بالشيخوخة القاتلة، وتعمق الهوة بين الشارع ومؤسسات تكاد تفقد كل مشروعيتها.
