الجهوية|وكالات
كشفت صحيفة Middle East Eye البريطانية، نقلا عن مصادر دبلوماسية، أن المغرب رفض بشكل قاطع مقترحا تقدمت به جبهة البوليساريو خلال المحادثات السرية الأخيرة بشأن نزاع الصحراء، ويتعلق بصيغة للحكم الذاتي أقرب إلى نموذج “بورتو ريكو”، بما يعنيه ذلك من وضع خاص يقترب من فكرة “الدولة المرتبطة بحرية” أكثر مما يندرج ضمن حكم ذاتي تحت السيادة المغربية.
وبحسب تقرير الصحيفة، الذي وقعه الصحافي الاسباني الشهير “إغناسيو سيمبريرو” من مدريد، فإن هذا الطرح برز في قلب المشاورات التي قادتها الولايات المتحدة خلال الأسابيع الماضية، حيث دفعت البوليساريو في اتجاه صيغة تمنح الإقليم وضعا سياسيا وقانونيا خاصا، قد يصل إلى امتلاك دستور منفصل، على غرار العلاقة التي تربط بورتو ريكو أو جزر ماريانا الشمالية بالولايات المتحدة. غير أن الرباط، وفق المصدر نفسه، تعاملت مع هذا المقترح باعتباره تجاوزا للسقف الذي تؤطره مبادرة الحكم الذاتي المغربية، ورفضت فتح أي منفذ يمكن أن يقود، ولو تدريجيا، إلى تقرير المصير خارج السيادة الوطنية.
ويفهم من تفاصيل التقرير أن الخلاف لم يكن شكليا أو لغويا فقط، بل مس جوهر الحل المطروح فوق الطاولة. فالمغرب، الذي كان قد وسع في يناير الماضي وثيقة الحكم الذاتي من ثلاث صفحات إلى 38 صفحة بطلب أمريكي، دخل المفاوضات وهو يتمسك بحكم ذاتي مضبوط بسياج قوي من الضمانات السياسية والدستورية، بما يكفل، وفق التصور المغربي، بقاء القرار السيادي النهائي بيد الدولة المركزية. ومن بين أبرز المؤشرات على ذلك، ما أورده التقرير بشأن كون رئيس جهة الصحراء، في الصيغة المغربية، سيكون معينا من طرف الملك، لا منتخبا من البرلمان الجهوي.
في المقابل، تشير Middle East Eye إلى أن البوليساريو سعت إلى انتزاع صيغة أكثر رخاوة في علاقتها مع المغرب، تقوم على شكل من أشكال الارتباط الحر، بما يسمح بقيام كيان يتمتع ليس فقط بصلاحيات واسعة، بل أيضا ببنية دستورية خاصة. وهنا تحديدا يكمن معنى الإحالة على نموذج “بورتو ريكو”، لأن الأمر لا يتعلق بمجرد توسيع اختصاصات التدبير المحلي، بل بصيغة سياسية وقانونية ملتبسة، لا هي اندماج كامل داخل الدولة، ولا هي استقلال معلن، وهو ما تعتبره الرباط مدخلا مقنعا لإعادة تسويق الطرح الانفصالي.
التقرير نفسه يبرز أن واحدة من أعقد نقاط الخلاف خلال هذه المحادثات تعلقت أيضا بطريقة المصادقة على أي اتفاق محتمل. فالوفد الصحراوي، بحسب المصدر ذاته، تمسك بأن يُعرض الوضع الجديد على تصويت يشارك فيه فقط الصحراويون الموجودون في الصحراء وفي مخيمات اللاجئين بتندوف، معتبرا أن هذا المطلب يجد سنده في قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي يتحدث عن حل سياسي نهائي ومقبول من الأطراف يكفل تقرير مصير سكان الصحراء الغربية. لكن المغرب رفض هذا الطرح بشكل نهائي، وتمسك بأن أي اتفاق من هذا الحجم ينبغي أن يمر عبر إصلاح دستوري تصوت عليه مجموع الأمة المغربية، لا فئة بعينها، باعتبار أن الأمر يتعلق بالسيادة والوحدة الترابية للدولة.
وتكشف المعطيات ذاتها أن التوتر لم يكن محصورا في طبيعة العلاقة السياسية أو في الهيئة الناخبة فقط، بل امتد أيضا إلى مسألة الهوية والرموز.
فبحسب التقرير، لا تتضمن المقاربة المغربية أي اعتراف رسمي برموز سياسية خاصة بالهوية الصحراوية من قبيل العلم أو النشيد، وهو ما يزيد من صعوبة التوصل إلى أرضية مشتركة، بالنظر إلى أن البوليساريو تنظر إلى هذه العناصر باعتبارها جزءا من أي وضع سياسي متميز، بينما يراها المغرب منزلقا رمزيا وقانونيا نحو إضفاء ملامح كيان منفصل.
ويظهر من خلال ما أوردته الصحيفة البريطانية أن واشنطن، رغم نجاحها في جمع الأطراف حول الطاولة بعد سنوات من الجمود، اصطدمت بسرعة بحجم التباعد القائم بين التصورين. فالإدارة الأمريكية كانت تراهن على تسريع الوتيرة من أجل التوصل إلى اتفاق خلال الربيع، غير أن المناقشات كشفت، منذ الجولات الأولى، أن الهوة ما تزال واسعة، لا سيما حول درجة الحكم الذاتي، وطبيعة الارتباط بالدولة المغربية، والجهة التي تملك حق الحسم النهائي في أي تسوية.
وتكمن أهمية هذه التسريبات في أنها تزيح جانبا من الغموض الذي لف هذه المحادثات، وتكشف أن المعركة الحقيقية لم تكن حول مبدأ التفاوض في حد ذاته، بل حول تعريف الحل ومضمونه السياسي والدستوري. فالمغرب، كما تنقل Middle East Eye عن مصادرها، يتفاوض من منطلق حكم ذاتي مضبوط وتحت السيادة المغربية الكاملة، فيما تحاول البوليساريو دفع النقاش نحو صيغة “كيان مرتبط” يحتفظ بملامح سياسية خاصة.
.png)