الجهوية|مقال رأي
يتابع الرأي العام الفرنسي والمغربي باستغراب شديد الحملة التي شنتها بعض المنابر الفرنسية ضد المغرب، وعلى رأسها مجلة ماريان التي خصصت ملفاً من 21 صفحة مليئاً بالاتهامات الموجهة إلى الدولة المغربية، اتهامات ملفقة وخارج السياق، من التضييق على الحريات إلى الفساد السياسي والاقتصادي، وصولاً إلى إعادة تدوير أحداث مأساوية مثل زلزال الحوز.
حملة ممنهجة مشبوهة ضد المغرب، تقودها بعض المنابر التي اختارت أن تتحول من ناقل للمعلومة إلى أداة ضغط سياسي. الملف الذي نشرته مجلة ماريان، وما تبعه من مقالات متكررة في صحف أخرى، ليس مجرد نقد صحفي عابر، بل هو جزء من استراتيجية تستهدف صورة المغرب في أوروبا، وتعيد إنتاج خطاب استعلائي تجاوزه الزمن.
كما أن هذه الحملة تتزامن مع نقاشات داخل البرلمان الأوروبي حول حرية الصحافة وحقوق الإنسان، حيث يُتهم المغرب زوراً بالتضييق على الحريات، وخلف هذا الخطاب يختبئ موقف سياسي فرنسي متردد في ملف الصحراء المغربية، ورغبة في إعادة فرض وصاية قديمة على شريك اختار منذ سنوات أن يبني علاقاته الدولية على أساس الندية والاحترام المتبادل.
إنها حملة ممنهجة بلا شك، اعتُبرت خروجاً عن المهنية وتوظيفاً سياسياً للإعلام للضغط على الدولة الرسمية والتشويش عليها، فيما يرى كثير من المحللين أنها مدعومة ومُمولة بشكل غير مباشر من أطراف جزائرية، في إطار استراتيجية دعائية طويلة الأمد تستهدف المغرب داخل المؤسسات الأوروبية والإعلام الفرنسي، خصوصاً في ملف قضايا حقوق الإنسان والصحراء المغربية.
المغرب اليوم، باعتباره قوة إقليمية بإنجازاته في الصناعة والطاقات المتجددة والبنية التحتية والدبلوماسية الإفريقية والتنمية المستدامة وحقوق الإنسان والأمن، يثير حساسية لدى بعض الأطراف الفرنسية التي ترى في استقلالية القرار المغربي تهديداً لمصالحها التقليدية.
الأكثر دلالة أن هذه الحملة الإعلامية جاءت في سياق الحديث عن زيارة رسمية مرتقبة لجلالة الملك محمد السادس إلى فرنسا، وهي زيارة يُنظر إليها كفرصة لإعادة ترتيب العلاقات الثنائية بعد فترة من الفتور، ولتتمة الاتفاقيات التي سبق توقيعها بين الرئيس إيمانويل ماكرون والعاهل المغربي خلال زيارة ماكرون الأخيرة للمغرب.
الاتفاقيات التي وُقعت في أكتوبر من سنة 2024، شملت 22 اتفاقية استراتيجية، أبرزها تفعيل "عرض المغرب" لتطوير قطاع الهيدروجين الأخضر، شراكة استراتيجية في مجال الطاقة والانتقال الطاقي، بروتوكولات اتفاق بين المكتب الشريف للفوسفاط والوكالة الفرنسية للتنمية بشأن إزالة الكربون، اتفاقيات في مجال الموانئ والتحول الأخضر، شراكات مع شركات فرنسية كبرى مثل إنجي وEDF لتطوير مشاريع الطاقات المتجددة والمزارع الريحية، إضافة إلى اتفاقيات لوجيستية ومينائية مع مجموعة CMA CGM. هذه المشاريع الضخمة تعكس أن العلاقات بين البلدين ليست مجرد علاقات سياسية، بل هي شراكة اقتصادية واستراتيجية عميقة تمتد إلى قطاعات الطاقة والفوسفاط والأمن الغذائي والنقل البحري والابتكار الصناعي.
أهمية هذه الاتفاقيات تكمن في انعكاساتها الإيجابية على الدولتين معاً: المغرب يستفيد من التكنولوجيا والخبرة الفرنسية لتعزيز استقلاليته الطاقية وتطوير بنيته التحتية، وفرنسا تستفيد من موقع المغرب الجيوستراتيجي وفرص الاستثمار في قطاعات واعدة، بما يعزز حضورها الاقتصادي في إفريقيا ويمنحها شريكاً موثوقاً في جنوب المتوسط. هذه المصالح المشتركة تجعل من الحملات الإعلامية مجرد ضجيج عابر أمام واقع شراكة متينة قائمة على مشاريع ملموسة ومصالح استراتيجية طويلة الأمد.
المغرب، بثقته في نفسه وبمشاريعه الكبرى، وبأمنه واستقراره وازدهار شعبه، وحماية مقدساته، لم يعد بحاجة إلى شهادة حسن سلوك من أي طرف. المطلوب اليوم هو أن تعي الأطراف الساعية للتشويش في باريس أن زمن الوصاية انتهى، وأن الشراكة الحقيقية تُبنى على الاحترام المتبادل لا على الحملات الدعائية، سواء كانت بدوافع داخلية أو بتمويل خارجي.
لذلك يتعين على الأطراف الساعية للتشويش أن تفهم عمق هذه الاتفاقيات والعلاقات المغربية الفرنسية، فهي لا تعكس فقط مصالح اقتصادية واستراتيجية، بل تؤسس أيضاً لجسر تعاون ثقافي وإنساني بين الشعبين المغربي والفرنسي، بما يعزز التفاهم المتبادل ويمنح للعلاقات الثنائية عمقاً إنسانياً يتجاوز الحسابات السياسية والاقتصادية.
ومع ذلك، وعلى الرغم من كل هذه الحملات الإعلامية، فإن فرنسا الرسمية ما تزال حريصة على الحفاظ على علاقاتها الثنائية مع المغرب، باعتباره شريكاً تاريخياً واستراتيجياً في المنطقة. فالعلاقات بين الدولتين تتجاوز ضجيج الحملات الدعائية وتستند إلى مصالح مشتركة ورؤية استراتيجية طويلة الأمد، وهو ما يجعل محاولات التشويش مجرد غبار إعلامي أمام مسار شراكة راسخة تتجه بثبات نحو المستقبل.
بقلم ذ.ابراهيم بوهوش صحقي مغربي
