وكالة الجهوية للأنباء/موسى طلحة جبريل
ارتأيت استعارة عنوان رواية غابرييل غارسيا ماركيز " الحب في زمن الكوليرا" مع تغيير كلمة واحدة، لأكتب عنواناً لهذا الموضوع.
في زحمة مشاغل ومنغصات وجدت فسحة للتأمل في عاطفة "الحب" التي تتجاوز في تأثيراتها جميع المشاعر الإنسانية. ظني أن أنبل طاقة يمنحها القدر للناس هي طاقة الحب.
التأمل كان له سبب ، إذ عثرت بالصدفة أثناء التجوال في الشبكة العنكبوتية على قطعة موسيقية مع كلمات رقيقة جداً تتحدث عن رغبة عاشق ولهان متدفق العاطفة يتمنى أن تزوره حبيبته بعد إصابته بوعكة صحية.
كلمات بسيطة جداً لكنها عميقة ، مع موسيقى مستوحاة من إيقاعات آسيوية، قمة في الروعة.
استمعت مرات ومرات لتلك القطعة الغنائية . لا أدري كيف قفزت إلى ذهني مسألتين.
في هذا الزمن الذي تطارد بعض الناس تهمة الإرهاب، دون منطق أو حجة، هل هناك فسحة فعلا للرومانسية. المسألة الثانية هي رواية ماركيز نفسها.
راح خيط الذاكرة المتشعب، ينسج صوراَ ذهنية، مستوحاة من إيقاع القطعة الموسيقية.
رائعة ماركيز تتحدث عن قصة حب بطل الرواية يحب حبيبته وهي بعد طالبة، وتبادله هي الحب عبر الرسائل فتطرد من المدرسة بعد أن ضبطت تكتب رسالة حب، يرفض والدها هذا الحب لأنه يأمل أن تتزوج ابنته بعريس من طبقة ميسورة. بعد أن تفرقت السبل بين الحبيبين، تزوجت الحبيبة ، في حين عاش هو حياة ماجنة قلقة، لكنه لم يكف عن إرسال رسائل إلى محبوبته الأولى، كانت عبارة عن تأملات في الحياة والزواج وتقلبات الزمن، نالت تلك الرسائل رضاها ثم لم تلبث أن قبلت بعشيقها القديم صديقاً تتبادل معه الأحاديث والتأملات فيما لا زال هو يرى فيها حبيبته على الرغم من مضي عقود على ذلك الحب، وراح ابنها يشجعها، وفي اعتقاده أن أمه وجدت رفيقاً يتفاهم معها، مع نقمة ابنتها التي كانت ترى الحب في هذه السن عبثاً ، مما سيؤدي بالأم إلى طردها من البيت .
تدور وقائع الفصل الأخير من الرواية في باخرة نهرية، حيث يدعو الحبيب حبيبته لرحلة نهرية، وهناك يقترب منها أكثر وتدرك بأنها تحبه رغم شعورها بأن عمرها لا يصلح للحب، ويسعى بطل الرواية لراحته ويتخلص من المسافرين الآخرين بخدعة مؤداها انتشار وباء الكوليرا في الباخرة، لكي لا تنتهي الرحلة، وهنا تنتهي الرواية والباخرة تعبر النهر جيئة وذهاباً ترفع علم الوباء دون أن ترسو إلا للتزود بوقود فيما تضم حبيبين لا يباليان بتقدمهما في السن ويقرران أنهما الآن في مرحلة أفضل لوصول مرحلة ما وراء الحب وهي الحب لذات الحب.
مؤكد أننا نعيش جميعاً قصص حب رومانسية بعضها ما يزال ينبض في دواخلنا، ربما أكثر مما عاشه بطلا رواية ماركيز . مؤكد إيضاً أننا نستطيع أن نمارس الحب في كل وقت حتى لو كنا في زمن تصنيف الناس إلى "إرهابيين ومجرمين" دون جرم أو إرهاب.
***
