بقلم: ذ.ابراهيم أبهوش
انتهت كأس الأمم الإفريقية 2025، وعلى الرغم من كل ما قيل في شقها السلبي، فإن المغرب خرج منها منتصراً بما يتجاوز حدود المستطيل الأخضر، حيث أثبت للعالم أنه بلد آمن ومنظم ومضياف، قادر على احتضان شعوب القارة الإفريقية والعالم أجمع في أجواء من الفرح والاحترام، وأنه بلد يحافظ على صورته الحقيقية في ذاكرة الشعوب بلا رتوش وبالكلمات الطيبة الصادرة من القلب، كلمات تليق بمكانته. هذا القول جسدته البطولة التي تابعها أكثر من ملياريْن ونصف المليار مشاهد، من خلال صور ستظل محفورة في الذاكرة كأكثر نسخة نجاحاً من حيث التنظيم والمتابعة، وهو إنجاز أشادت به وسائل الإعلام الدولية والاتحاد الإفريقي لكرة القدم، مؤكدة أن المغرب رفع سقف التحدي عالياً في التنظيم والقدرة على جمع التنوع الإفريقي في أجواء من الانسجام.
وما زاد التنظيم بهجة وفرجة، هو حضور المنتخب الوطني بروحه القتالية وأدائه المتميز، حيث بلغ النهائي عن جدارة، وأثبت أن الرياضة ليست فقط نتائج بل هي أيضاً قيم. لقد فاز اللاعبون بقلوب شعوب العالم لأن لعبهم كان في مستوى التحديات، وكان انعكاساً لصورة المغرب الذي لا ينهزم أمام الصعاب. إن بلوغ النهائي في بطولة بهذا الحجم هو في حد ذاته شهادة على قوة الفريق وروح الجماعة التي ميزت أداءه.
لكن إذا أردنا أن نهيئ أنفسنا لكأس العالم وباقي البطولات الكبرى، فعلينا كشعب مغربي أن نكون جزءاً من المشروع الوطني. على المستوى الشعبي، يجب أن نعزز الروح الوطنية ونلتف حول المنتخب بروح إيجابية، وأن نظهر الوجه الحضاري للمغرب بسلوك جماهيري راقٍ يعكس صورة بلد مضياف ومنظم. وعلى المستوى التنظيمي، ينبغي أن نستثمر في البنية التحتية الرياضية والنقل والخدمات الرقمية، وأن نشرك الشباب والمتطوعين ليكونوا سفراء للمغرب أمام العالم. أما على المستوى الرياضي والفني، فالمطلوب هو مواصلة تكوين اللاعبين منذ الفئات الصغرى، وتطوير الكفاءات التقنية، والاهتمام بالجانب النفسي والبدني، لأن البطولات الكبرى تُحسم غالباً في التفاصيل الدقيقة.
وسيظل المغاربة واعين بأن سياسة التفرقة ونشر الأخبار الكاذبة التي ينتهجها أعداء المغرب ضد نجاحاته في عدة محطات، خاصة بعد عودته إلى حضنه الإفريقي ونجاحه الدبلوماسي في علاقاته بمعظم الدول الإفريقية وشعوبها وبالاتحاد الإفريقي، ومواقفه البناءة والشجاعة حول قضية وحدتنا الترابية الأولى، لن تزيدنا إلا تلاحماً واصطفافاً وراء القيادة الرشيدة والحكيمة لجلالة الملك محمد السادس حفظه الله.
لذلك فإن المخططات التي نسجها خصوم المغرب، من خلال تخصيص أموال طائلة في ميزانيات مشبوهة لشراء الذمم ودعم الإعلام الفاسد وتقديم الهبات لعملاء يسعون لإفساد كل ما يتعلق بالمغرب في إفريقيا، قد سقطت في هاوية سحيقة. المؤامرات السرية والعلنية التي نُظمت ضد بلادنا خلال فعاليات كأس إفريقيا، والمدعومة بإعلام رسمي وغير رسمي، لم تفلح في النيل من صورة المغرب ولا من نجاحاته. كل ما كانوا يخططون له انهار أمام قوة الإنجاز المغربي، وسيسقطون هم أنفسهم في القريب العاجل في فخ أوهامهم. والمغرب، بثقته في نفسه، يستعد لاستقبال شركائه الأفارقة، حيث ستكون الحكومة السنغالية برئاسة رئيسها حاضرة قريباً في الرباط، في إشارة واضحة إلى أن المغرب يواصل تعزيز حضوره الدبلوماسي في القارة.
انتهى “الكان 2025″، لكن المغرب خرج منه منتصراً بما لا يُقاس بالنتائج وحدها، ورغم كل الدسائس والمؤامرات، فقد فاز بقلوب العالم، وحافظ على صورته كبلد آمن ومنظم ومضياف، بينما يظل المشككون أسرى أوهامهم، والمملكة تواصل مسيرتها إلى الأمام، لتبقى الرياضة في المغرب أكثر من مجرد منافسة، بل رسالة حضارية تُكتب في ذاكرة الإنسانية، وكأساً تُرفع في القلوب قبل أن تُرفع في الملاعب.
