وكالة الجهوية للأنباء/أسا-الزاك
ليس سرا أن شعر التبراع الذي فتقته قديما قرائح النساء الحسانيات الشاديات في "مجالسهن الخاصة" بما يختلج أنفسهن من عواطف و مشاعر ، و خصّبته بعضهن في الحاضر بإنتاج واعد خرج من غياهب " السرّ" إلى أنوار " العلن " ؛ ينهض بيان فحولة مائزة ، فإذا كان الشاعر الفحل في قاموس اللغة هو المتميز المبرّز أو الذي يغلب في الهجاء خصمه إذا هجاه ، فإن شعر التبراع دليل فحولة من وجوه عدة :
-أنه مختلف أو بالأحرى متميز عن بقية الشعر الحساني المعروف في اصطلاح أهله ب " لغنَ" ، إذ أن "التبريعة" كما قالت كاترين تين الشيخ : " قصيدة صغيرة من شطرين ذات روي واحد" ، خلافاً للكَاف و الطلعة .
-أن موضوعه في الأصل هو الحب كما هو شأن شعر العروبيات بفاس الذي جمع قطوفا منه محمد الفاسي في سفر صغير يحمل عنوان : " رباعيات نساء فاس، (العروبيات) ، غير أن التجديد مسّ هذا الموضوع ، فأضحت التبريعات تتناول مواضيع أخرى كقضية فلسطين و العراق ، كما ذكرت الدكتورة العالية ماء العينين في دراستها القيمة .
-إنه مملكة خاصة بالنساء ، لا يجرؤ على دخول حماها غيرهم ، و إن كان من المخنثين الذين لا تعرف لهم " أشعار خاصة " في الفضاء الحساني .
- إنه عنوان تحدي المرأة للرقابة و سلطة المجتمع / السياق ، فالإبداع " النسائي " نازع الشعراء الحسانيين الريادة ، كما نازعتها الخنساء فحول شعراء العرب القدامى ، فقد اعترف لها بشار بن برد بالفحولة ، رغم أنف مجتمع الذكورة الذي يصدر عنه إذ قال : " لم تقل امرأة شعرا إلا تبين الضعف فيه ، فقيل له : أو كذلك الخنساء؟ ، فقال : تلك ، كان لها أربع خصي !!!.
و إذا كان التعبير عن عاطفة الحب كسرا لقيود " المواضعات الاجتماعية" ، فإن الخروج بالتبراع من "دائرة مجالس النساء الخاصة" إلى الحياة العامة ، لا يوسع دائرة التلقي فحسب ، بل يعد انتقالا بشعر النساء من ضيق " نظام ترتيب الفوارق ، وهو اجتماعي سلطوي " إلى نظام اختلال الفوارق ، وهو خيالي إبداعي " ، حسب تعبير رجاء بن سلامة .
و عطفا بملاحظة رشيدة بنمسعود التي أكدت أن الكتابة النسائية تتميز بحضور الوظيفة التعبيرية التي تتمثل في التركيز على دور المرسل ، أي حضور الأنثى كمرسلة " ، يمكن أن نتأمل هذه التبريعات التي يتمركز فيها الخطاب حول ضمير المتكلم " الأنثى" :
من متن اسقامُ نسمع من مراكش كلامُ
شفتُ اعلَ الصلاه و اسبكَت عدلت الحالة
أنا اللي بيا كال أنُّ ماعينُ فيا
و غير خاف حضور الأنا المتكلمة في هذه المقاطع التي تثبت خصيصة مائزة للشعر النسائي ، ليس في الصحراء فحسب ، بل في شعر العروبيات ، وفي الشعر النسوي العثماني الذي خصص له الباحث عبد القادر عبد اللي مقالة هامة تحت عنوان : التاريخ الألطف و المنسي ، نكتفي منها ببضع مقاطع من شعر الشاعرة مهري خاتون :
كنت أمني النفس بأن تكون عاشقا وفيا
كيف لي معرفة أنك ستكون مجافيا
و تثير خصائص شعر النساء ،عموما ، سؤالا عريضا حول مدى صحة القول بغلبة القريحة على العقل فيه ؟
